اسماعيل بن محمد القونوي

37

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( كافيا ) أشار به إلى أن حسابا مصدر بمعنى اسم الفاعل ولو أبقي على ظاهره للمبالغة صح . قوله : ( من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي ) فيكون حسابا مصدرا حسب بحذف الزوائد « 1 » واعلم أنه لما كان معظم اللذات الحسية مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح على ما دل عليه الاستقراء حكم اللّه تعالى بأن العطاء المذكور كاف لأهل الجنة لا يحتاجون إلى غير ذلك على أن التنعم بغير ذلك كلحم طير مما يشتهون وشرب اللبن والعسل والماء وجريان الأنهار من تحت قصورهم وغير ذلك منفهم من ذكر هذه النعم إما إشارة أو دلالة نص أو اقتضاء نص كما لا يخفى على من تأمل بالفكر الثاقب ولو سلم عدم الانفهام فالتلذذ بنعم الجنة ليس لدفع الحاجة فهذه المذكورات كافية في التنعم ثم قوله : لا يَسْمَعُونَ [ النبأ : 35 ] الآية من قبيل الاحتراس والتكميل لأنه لما ذكر الخمر والنساء وهم أن الخمر مثل خمر الدنيا فيكون باعثا للغو وهو ما ينبغي أن يلقى ويطرح فهو أعم من الكذب والنساء منبع الأكاذب فدفع اللّه تعالى هذا التوهم بقوله : لا يَسْمَعُونَ [ النبأ : 35 ] الخ واللغو ناظر إلى الخمر والكذاب ناظر إلى الكواعب على سبيل اللف والنشر الغير المرتب . قوله : حتى قال قطني مأخوذ من بيت أنشده الزجاج : امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني وهو بدل من جزاء وقيل منتصب به نصب المفعول به كأنه قيل جزاهم اللّه عطاء وجزاء مصدر مؤكد منصوب بما دل عليه قوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً [ النبأ : 31 ] كأنه قيل جازى اللّه المتقين بمفاز جزاء قال الزجاج جزاء منصوب بمعنى أن للمتقين مفازا أي جازاهم بذلك جزاء وكذلك عطاء لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد وبينه أبو البقاء حيث قال عطاء اسم للمصدر وهو بدل من جزاء جوز القاضي وصاحب الكشاف أن يعمل جزاء في عطاء وينتصب هو به نصب المفعول به وهذا غير مرضي عند علماء النحو حيث قال المصدر إنما يعمل إذا كان منزلا منزلة أن مع الفعل المنصوب على المصدر لا يكون واقعا موقع أن مع الفعل نص على ذلك سيبويه في كتابه حيث قال ويعمل عمل فعله ماضيا كان أو غيره إذا لم يكن مفعولا مطلقا وقال شارح الكتاب في تعليله لأنه إذا كان مفعولا نحو ضربت ضربا زيدا كان العمل للفعل لا للمصدر لوجهين أحدهما أن الفعل هو الأصل فلا يعدل عنه إلى الفرع بلا موجب والثاني أن المصدر إنما يعمل لكونه مصدرا بمعنى أن والفعل نحو أعجبني ضرب زيد عمرا أي إن ضرب زيد عمرا ولا يمكن إذا وقع مفعولا مطلقا ذلك إذ لا يقال ضربت إن ضرب زيد عمرا إذ لا يؤكد الفعل بأن والفعل بل بالمصدر صريحا والعجب أن الشارح تبع صاحب الكشاف في التقريب مع قوله هذا وقال صاحب الكشاف في تصحيح قوله صاحب الكشاف أقول لأن المصدر ههنا يدل على الفعل المحذوف وفي مثله وجهان مشهوران وصاحب الكشاف ذكر أحد الوجهين ولا عيب في ذلك وكلاهما سديدان تم

--> ( 1 ) وقيل ليس المراد أنه مصدر أحسب حتى يرد عليه أن المصدر لا يشتق من الفعل وأن مصدر أفعل لا يجيء على فعال بل بيان المناسبة بينهما وتلاقيهما في المعنى انتهى والمصدر مشتق من الفعل عند الكوفيين ولعله اختاره وجواب الإشكال الثاني قد مر .